أبو نصر الفارابي

91

احصاء العلوم

هؤلاء ، تلقاه هؤلاء بما في ملة أولئك من الأشياء الشنعة فدفعوه بذلك عن ملتهم « 1 » . وآخرون منهم لما رأوا أن الأقاويل التي يأتون بها في نصرة أمثال هذه الأشياء ليست فيها كفاية في أن تصح بها تلك الأشياء صحة تامة حتى يكون سكوت خصمهم لصحتها عندهم لا لعجزه عن مقاومتهم فيها بالقول ، اضطروا عند ذلك إلى أن يستعملوا معه الأشياء التي تلجئه إلى أن يسكت عن مقولتهم إما خجلا وحصرا أو خوفا من مكروه يناله « 2 » . وآخرون لما كانت ملتهم عند أنفسهم صحيحة لا يشكون في صحتها ، رأوا أن ينصروها عند غيرهم ويحسنوها ويزيلوا الشبهة منها ، بأن يدفعوا خصومهم عنها بأي شيء اتفق . ولم يبالوا بأن يستعملوا الكذب والمغالطة والبهت والمكابرة « 3 » ، لأنهم رأوا أن من يخالف ملتهم أحد رجلين :

--> ( 1 ) مبدأ ثالث يذكره الفارابي من مبادئ المتكلمين هو تزييف معتقدات خصومهم من أبناء المذاهب والملل الأخرى وإظهار تهافتها . ( 2 ) أسلوب آخر لجأ إليه المتكلمون لنصرة آرائهم هو التهديد وإنزال الأذى بالخصم . ( 3 ) الأسلوب الأخير الذي فزع إليه المتكلمون لنصرة آرائهم ومقارعة خصومهم هو الكذب والمغالطة والبهت والمكابرة . وهم يعتبرون ذلك جائزا لأن الخصم هو عدو ، ويجوز في محاربة العدو كل الوسائل بما في ذلك الكذب والخداع والمغالطة .